الشريف الرضي

123

تلخيص البيان في مجازات القرآن

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) وقوله تعالى : * ( تُولِجُ ) * « 1 » * ( اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) * [ 27 ] وهذه استعارة ، وهى عبارة عجيبة عن إدخال هذا على هذا ، وهذا على هذا . والمعنى أن ما ينقصه من النهار يزيده في الليل ، وما ينقصه من الليل يزيده في النهار . ولفظ الإيلاج هاهنا أبلغ ، لأنه يفيد إدخال كلّ واحد منهما في الآخر ، بلطيف الممازجة ، وشديد الملابسة . فَنادَتْه الْمَلائِكَةُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه وسَيِّداً وحَصُوراً ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) وقوله تعالى : * ( مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه ) * [ 39 ] وهذه استعارة . لأن المراد بهذا القول عيسى عليه السلام . والعلماء مختلفون في هذه اللفظة ، وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتاب « حقائق التأويل » . فمن بعض ما قيل في ذلك أن بشارة اللَّه تعالى سبقت بالمسيح عليه السلام في الكتب المتقدمة ، والنذرات السالفة ، فأجرى تعالى اسم « الكلمة » عليه لتقدّم البشارة به . والبشارة إنما تكون بالكلام . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّه غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّه لِلَّه يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّه ما فِي صُدُورِكُمْ ولِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ واللَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 154 ) وقوله تعالى : * ( ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّه ، واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * [ 54 ] . وهذه استعارة . لأن حقيقة المكر لا تجوز عليه تعالى . والمراد بذلك إنزال العقوبة بهم جزاء على مكرهم . وإنما سمّى الجزاء على المكر مكرا للمقابلة بين الألفاظ على عادة العرب في ذلك . قد استعارها لسانهم ، واستعادها بيانهم . وقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 72 ) ولا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ واللَّه واسِعٌ عَلِيمٌ ( 73 ) وقوله تعالى : * ( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَه ) * [ 72 ] وهذه استعارة . والمراد أول النهار . ولم يقل رأس النهار . لأن الوجه والرأس وإن اشتركا في كونهما أول الشيء ، فإن في الوجه زيادة فائدة ، وهى أنّ به تصح المواجهة . ومنه تعرف حقيقة الجملة .

--> ( 1 ) في الأصل : يولج بالياء المثناة التحتية ، وهو تحريف من الناسخ للآية الكريمة . والصواب : تولج بالتاء المثناة الفوقية . أما « يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ » بالياء المثناة التحتية ، فهي في سورة الحج ولقمان والحديد وفاطر .